ابن كثير
82
البداية والنهاية
لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلسوا إليه قالوا ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة ، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي . خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ [ عظيم ] ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به . قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه . قال : هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم ( 1 ) . ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة . وقال البيهقي ( 2 ) : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الادمي بمكة ، حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشر الطيالسي ، حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر . قال : لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) أتى أصحابه فقال لهم : يا قوم أطيعوني في هذا الامر اليوم ، واعصوني فيما بعده ، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله ، وما دريت ما أرد عليه . وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه . ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق حدثني الزهري . قال : حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته ، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا . ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق ، قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا ، فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق ، فقالوا لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود . فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا ، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذه عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها [ وأشياء لا أعرفها ولا أعرف ما يراد بها ] ( 3 ) فقال الأخنس : وأنا والذي حلفت به . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال : يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال ماذا سمعت ، تنازعنا
--> ( 1 ) الخبر في سيرة ابن هشام ج 1 / 314 ودلائل البيهقي 2 / 204 - 205 وما بين معقوفتين في الحديث من السيرة والدلائل . ( 2 ) دلائل البيهقي 2 / 206 . ( 3 ) ما بين معقوفتين سقط من الأصل والدلائل واستدرك لمقتضى السياق من الاكتفاء للكلاعي .